![]() |
ثمة كلمات ذات كثافة ترميزية في تجارب بعض الجماعات البشرية، ومن بينها كلمة غيتو وإلى حد ما غولاغ، وتحيلان الى تجربة تاريخية وإثنولوجية وثقافية شديدة الخصوصية. فالغيتو يصدق غالباً على اليهود في أوروبا حتى الربع الأول من القرن الماضي، كحالة حمائية إزاء (الآخر) الواقعي أو المتخيّل. ونقول المتخيّل لأن الغيتو كحالة ثقافية ونمط سلوك لم يسدل التاريخ ستاره عليه. وينبّه أبرز الآباء الأيديولوجيين لمشروع الدولة اليهودية ثيودور هرتسل في كتابه (الدولة اليهودية) الى: أن الغيتو لا يزال قائماً رغم انهيار جدرانه. ورغم أن هرتسل مات عام 1904، أي قبل زوال أسوار الغيتوات اليهودية في أرجاء أوروبا، ولكنّه كشف عن بنية فيروسيّة في العقل الصهيوني، تجعل من الغيتو كما الغولاغ حالة ذهنية وأيديولوجية وسلوكية مستديمة.
الآن، وبعد جريمة (الحرية) بكل الغباء المكتنز في عقل صانع القرار الإسرائيلي، أن ثمة عودة بلهاء الى أفكار المؤسسين الأوائل.. نبوءات وتوصيّات الآباء الأيديولوجيين بقدر ما تمثّل نجماً هادياً للأبناء، فإنها تتحوّل في لحظة ما إلى مصدر هلاك، فقد سمعنا كثيراً عن توصيات جيل المؤسسين في الدولة العبرية، واقتفى الجيل الثاني حرفياً تلك التوصيات، وربما تحوّلت إلى حوافز، وهواجس، وكوابيس، خوفاً على مصير الكيان..
وكما يظهر، فإن عقدة المؤسسين الأوائل تلاحق كثيراً من الدول ذات التكوينات الأيديولوجية المغلقة، لتحيلها إلى مثابة (غولاغ ثقافي). فمقولات (وطن الأجداد) و(أرض الميعاد)، بحسب هرتسل، كما (أرض الآباء والأجداد) بحسب الملك عبد العزيز آل سعود، وهي مقولات ظهرت في وقت واحد، وتحت رعاية دولية واحدة: بريطانية، لا تعير انتباهاً من أي نوع لقوانين حركة التاريخ وتحوّل المجتمعات، فما قاله الآباء يغدو وحياً منزلاً، ولكنه كما العقائد الزائفة أو المغلقة، تنخر تناقضاته مع قوانين التاريخ الأنوية الصلبة، فليس تدجيج القوة الفارط يكفل الأمن والنصر دائماً، فقد تأتي لحظات تصبح فيها القوة فائض عبء وغباء، لا يمكن الخلاص منها بسهولة، تماماً كما هي نفايات تجارب نووية.
من يحكم وفق نبوءات مصبوغة بلون الدم، وتعاليم ترى في شعوب العالم محيطاً عدائياً هو من أعطى أوامره باستعمال الرصاص المعتوه ضد أحرار (الحرية).. ثيودور هرتسل صاغ حلم الدولة اليهودية بالجمع بين الدوغما واليوتوبيا، ولذلك جاءت نبوءاته محمولة على خطاب إيحاءوي بنزعة اقتلاعية، فهو حين يبشّر قومه بأن الدولة اليهودية آتية وستتحقق، لا يتسلّح بنبوءة فحسب، بل يرسم سلوكاً ينسجم مع تلك البشارة، أي أنها بشارة بلون الدم، ويقول (إن مظاهر الخير المادي الذي ننعم به الآن قد أتى به أولئك الرجال المغامرون)، ولذلك يرفض فكرة الاعتماد على دولة مضيفة.
الإحساس بالاضطهاد هو ما استزرعه هرتسل في الأجيال اللاحقة، وهو ما تعيشه الطبقة الحاكمة اليوم، بأن هناك اضطهاداً متربّصاً (حيثما يوجد عدد ملحوظ من اليهود) في أي مكان، وجاء إنشاء الكيان ليعالج تراث الاضطهاد الذي لحق باليهود في أوروبا. شعور النبذ هو ما يدفع هرتسل، وجيل الآباء المؤسسين وحتى اليوم، لصوغ ذهنية الغولاغ الديني والإثني، فهو حين يخلص الى استحالة الاندماج في أوطان الآخرين، بشرط الحفاظ على عقيدة الآباء، هو يبشّر بحلم (الدولة اليهودية)، ليس من وازع ديني فحسب، بل وقومي أيضاً. شعور لا يتردّد هرتسل في الافصاح عنه (إن التعصّبات القديمة ضدنا لا تزال تكمن في سويداء القلوب، ومن يريد براهين على ذلك لا يحتاج أكثر من أن ينصت إلى الناس عندما يتحدّثون بصراحة وبساطة، فالأمثال والقصص الخرافية جميعها مناهضة للسامية)، هو يتحدّث عن أوروبا بدرجة أساسية، ولكنه يضمر رؤية كونية، (لقد جعلنا أعداؤنا نتوحّد في ضغينتنا).
في 1923 كتب جابوتنسكي، أحد ملهمي رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحيم بيغن، يقول (من المستحيل أن نتصور إمكانية التوصل إلى اتفاق تلقائي بيننا وبين عرب أرض إسرائيل.. سواء أكان ذلك الآن أم في المستقبل المنظور.. إن كل أمة سواء أكانت متحضّرة أم بدائية تؤمن بأن أرضها هي وطنها القومي، الذي تريد أن تبقى مهيمنة عليه إلى الأبد،.. ولا يمكن أن تفكر مثل هذه الأمة أو تقبل بوجود سيد جديد أو حتى بوجود شريك لها..)، وكان جابوتنسكي يرى بأن الحل مع عرب فلسطين هو (التخلي تماماً عن أي محاولة حالية للاتفاق). وفسّر بيغن كلام ملهمه بالجدار الحديدي، وقال (لا يمكن تحقيق الصهيونية ما لم يقم بيننا ـ أي الصهاينة ـ وبين العرب حاجز من القوة).
الآباء المؤسسون (وايزمان، بن غوريون، غولدا مائير، موشي دايان، اسحاق رابين، آرييل شارون، شمعون بيريز) مهما تباينت مقارباتهم للمسألة الصهيونية، هضموا فكرة أن القانون كما الحق لا يجب حضوره في أي مناظرة حول مشروعية الدولة، ولذلك يلوذون بمنطق آخر يصطلح عليه هرتسل (نجوتيوروم جستيو) كبديل عن العقد الاجتماعي لروسو، بل يكون بديلاً عن كل نظريات تأسيس الدولة القائمة على القوة أو الحق الإلهي أو التاريخي.. هرتسل يرى الدولة عبارة عن شركة تجارية تضم مواطنين هم أصحاب العمل فيما الحكومة هي مديرة الشركة، التي تصبح أيضاً الكفيل في إدارة شؤون ومصالح الناس الذين فوّضوا هذا الكفيل للقيام بمهمة الإدارة والحكم. هذه الرؤية شديدة الخصوصية لا تنطبق مطلقاً إلا على دولة غصبية.
نعود الى جريمة قتل أحرار سفينة (الحرية)، حيث نشهد تحضيراً تلقائياً للنبوءات القارّة في اللاوعي الإسرائيلي. يقول وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك في خطاب الشكر لجنود وحدة (شابيطت 13) الذين شاركوا في مجزرة (الحرية) (نحن نعيش في الشرق الأوسط، مكان لا إحسان فيه للضعفاء ولا فرصة ثانية لمن لا يدافع عن نفسه)، مبدأ يستظّل بمبادئ النازيين في الحرب العالمية الثانية، حين ظهر مبدأ «لا حق للضعفاء بالحياة».
في كتاب (بيغين سيرة حياته) للمؤلف إريك سيلفر، وهو عبارة عن حصيلة مذكرات أحد مؤسسي الكيان، الذي كان هو الآخر أسير (الإيمان بأساطيره الخاصة)، كما عرّفه مترجمه، نعثر على مقولة تأسيسية (العالم يحترم الأقوياء ولا يشفق على المذبوحين). وذكر سيلفر ما جاء في رسالة بيغين الى الجنود الذين شاركوا في مذبحة دير ياسين في 9 نيسان (إبريل) 1948، بما نصّه (إنكم بهذا الهجوم والغزو ساهمتم في صنع تاريخ إسرائيل. فلتواصلوا طريقكم حتى النصر، وكما حدث في دير ياسين وفي غيرها فإننا سنهاجم ونسحق العدو. يا إلهي، يا إلهي لقد اخترتنا لنحقق هذا الغزو).. وللمرء تأمل صورة الإله الدموي الذي يتورّط في جريمة قتل جماعي، حاولت صحف إسرائيلية وعدد من مهندسي المجازر الهروب منها، لبشاعة مشاهدها..
ولأن كل جريمة ترث أخرى، فلا تعود مؤلمة بعد الصدمة الأولى، فبعد مجزرة قرية قبية داخل الحدود الأردنية في أكتوبر 1953 والتي ذهب ضحيتها تسعة وستون شخصاً أغلبهم من المدنيين، لا سيما النساء والأطفال، صرّح بن غوريون قائلاً: (ما سيّقال في العالم بشأن قبية قلّما يهم، فالمهم هو كيف ستفهم في هذه المنطقة من العالم منطقتنا، أعتقد أننا بفضلها سنتمكن من الاستمرار في العيش هنا).
هوس النبوءات هو المسؤول عن تصرّفات حمقاء متناوبة لدى رهط تحالف الموتورين في اسرائيل، فالذين تسللوا من الفضاء للسيطرة على سفينة الحرية لم يدركوا حينذاك أنهم حصدوا الريح وأغرقوا الكيان.. لقد تغيّر العالم، ولكن قوانين الآباء المؤسسين القائمة على الاستعمال المفرط للقوة كخيار نهائي ووحيد في فرض الحق المزعوم تاهت في عرض البحر، فبإمكان نشاطات مدنية سلمية أن تعطّل مفعول الموت، فإن كان السلاح ردعياً فلم يعد يحقق هذه الغاية، وإن كان لصنع معادلة جديدة، فالمدنيون العزّل على ظهر سفن الحرية أرغموا العالم للإصغاء الى رسالة الضمير، وقد يغيّر هؤلاء بلا سلاح معادلات كبرى في العالم، قبل أن يتحرر الأبناء من سطوة النبوءات القاتلة.
