في حمأة الأحداث المتسارعة في المنطقة، وبالأخص منذ العدوان البربري على أسطول الحرية، ومع كل ما أثير ويثار حوله من ضجيج وصخب وردات فعل وحراك، يبدو اسم "المملكة العربية السعودية" وقد سقط سهوا من نشرات الأخبار، فقلما نقرأ تصريحاً لمسؤول باسمه، لا زيارات ولا تحركات، لا أحد يذهب إلى المملكة أو يأتي منها، لكأن القوم في إجازة مديدة.
كنت أظن أنني ربما أكون قد "قصّرت" في متابعة مواقف المملكة ورصد ردات فعلها وتحركاتها، التجأت إلى زملاء آخرين أسأل واستفسر، بحثت في الانترنت، النتيجة واحدة: المملكة ليست حاضرة بقوة، الدبلوماسية السعودية في سبات عميق، العالم يجري من حولها بكل ضجيج وصخب ومن دون أن يحرك ساكنا في الرياض أو جدة.
قبل بضعة أسابيع، كنت في الدوحة مشاركاً في مؤتمر مركز الجزيرة للدراسات ومنتدى الجزيرة العالمي الخامس، حيث جاب المتحدثون والمعقّبون الآفاق بحثا وتحليلا، نقداً وتشخيصاً، يومها قلت لأحد زملائي وقد لاحظت غياب أي ذكر للسعودية في المناقشات والمداولات: كم هو مؤسف حالنا كعرب في هذا المنتدى، لا يؤتى على ذكر دولنا الكبرى إلا لماماً أو في معرض التدليل على الوجه الآخر لتركيا وإيران، القوتين الناهضتين، فالسعودية كانت الغائب الأكبر عن مداولات المؤتمر، ومصر حضرت من بوابة قول الشاعر: "لئن ساءني أن نلتني بمساءة...لقد سرّني أني خطرت ببالك".
لقد عوّدتنا الدبلوماسية السعودية على تعاقب الحضور والغياب خلال السنوات الفائتة، بعد حرب تموز جددت حضورها على مسرح المنطقة من بوابة احتواء تداعيات التمدد الإيراني، والاشتباك المباشر مع حلفاء طهران وأصدقائها في لبنان وفلسطين والعراق وصولا إلى دمشق، وبعد انكفاء ما قيل أنه "مرحلة الأمير بندر" في السياسة الخارجية السعودية، شهدت الدبلوماسية السعودية مرحلة تراجع وجزر، أعقبتها معاودة الصعود إلى خشبة المسرح، من بوابة قمة الكويت الاقتصادية، التي لم يكن فيها من الاقتصاد سوى اسمها فحسب، بعد أن تحولت إلى قمة المصالحات السياسية بفعل الخطاب الاستهلالي للعاهل السعودي، واعقب ذلك دخول العلاقة بين دمشق والرياض مرحلة انفراج جديدة، انعكست إيجابا على لبنان واللبنانيين، وكنا نأمل أن تمتد تأثيراتها الإيجابية على فلسطين والفلسطينيين، لكن الفيتو المصري كان كفيلا على ما يبدو، بإحباط هذه الأمنيات والرهانات، فالاحتكار المصري لملف المصالحة أقوى وأهم من يترك لمعادلة "س س" وفقا لتعبير رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري.
والحقيقة أننا لا نجد تفسيراً مقنعاً لهذا الغياب السعودي، ولا نعرف لماذا تفقد الرياض شهيتها للاطلاع بأدوار إقليمية تبدو مؤهلة للقيام بها أكثر من غيرها، هل بسبب الإخفاق في إتمام ملف المصالحة الفلسطينية وصون اتفاق مكة؟...أم بسبب اصطدام "دبلوماسية مكة المكرمة" بمواقف الأطراف العراقية ومصالحها المادية التي تفوق تعلق أصحابها الروحي بالحرمين الشرفين؟ ... أم لزهد و"تقتير" في استخدام "دبلوماسية البترودولار"؟...أم لأسباب داخلية لها علاقة بمطابخ صنع القرار؟...لا ندري في الحقيقة ولا نجد تفسيراً لأعراض "ظاهرة قصر النفس" التي تعانيها الدبلوماسية السعودية والتي باستثناء لبنان، لم تعد تتابع أي ملف من ملفات المنطقة حتى نهاية المطاف.
ويبدو أننا لسنا وحدنا كإعلاميين من لاحظ انكفاء الدور السعودي على ما يبدو، فالسياسيون والدبلوماسيون لاحظوا ذلك أيضا، ومن بين هؤلاء وزير الخارجية النرويجي الذي كان يستحث ضيفه الأمير سلمان بن عبد العزيز للقيام بدور أكبر في أفغانستان، عندما جوبه بجواب الأمير: المملكة لا تبحث عن دور، الدور هو الذي يبحث عن المملكة، وهو جواب على ما فيه من "ثقة زائدة بالنفس"، ينطوي على تهرب من مواجهة الحقيقة أكثر من أي شيء آخر.
في حمأة السباق الإقليمي والدولي على الأدوار في المنطقة، يبدو أن العرب الرسميين زاهدون في دخول هذه الحلبة، ويفضلون الانكفاء إلى الداخل على التنطح للقيام بأدوارهم ومسؤولياتهم في الخارج، وهو أمر ليس سيئا دائما على أية حال، طالما أننا نريد دوراً عربياً فاعلاً ومتنامياً، وطالما أننا نريده دوراً متصدياً للعدوان والمؤامرات التي تتعرض لها الأمة على امتداد خطوط التماس مع أعدائها وخصومها التاريخيين، فالدور العربي – بما في ذلك الدور السعودي – مرحب به في هذا السياق، وفي هذا السياق فقط، سياق التناقض الرئيسي مع العدو الرئيسي، وبخلاف ذلك، فإن أية انشغال بمعارك جانبية وتناقضات ثانوية، هو صرف للإنظار وتشتيت للجهد ومضيعة للوقت وهدر للطاقات، مهما كانت المبررات المسوّغات...بخلاف ذلك فإن الانكفاء سيكون حتما أفضل من الحضور.
