كاراكاتير

هاجد
الليبرالية والسلفية في السعودية معارك سياسية بنكهة ثقافية
د. فؤاد إبراهيم - « جريدة السفير » - 20 / 4 / 2010م - 1:26 م

 إذا كان تاريخ الفكر يدور بالضرورة داخل نطاق الفكر العقلاني، فإن ثمة اتجاهات متعاكسة تتداول أفكاراً بقيت رهينة (إيمانات) كما يطلق عليها فرانكلين باومر، قبل استدراجها الى حلبة الجدل العقلاني. ما يبزغ اليوم ليس ارتقاءً فكرياً حكماً، بالمقارنة مع حركة أفكار خارج الحدود، ولكّنه بصورة ما يمثّل تفسّخاً لمنظومة فكرية رسخت لقرابة قرنين في تربة بقيت عصيّة على استنبات أفكار خلاّقة.

طراز من التمرّد المتمدّد غير مسبوق، ذاك ما تشهده الساحة الثقافية في السعودية، وبات العقل، أكثر من أي أداة أخرى، يتموضع بجسارة في ساحة غدت متأهبة لإنتاج أشد الأفكار جنوحاً نحو التحرر. وحين لا يكفّ رموز التيار السلفي بكل أطيافه عن تقديم (طعم) سهل لخصمه التكويني، التيار الليبرالي، من خلال الجهر بأفكار صادمة بقيت، قبل أن تقتلع العولمة السحر عنها، محفوظة في المخابئ التقليدية (حلقات الدرس الخاصة، والمجالس المغلقة، وصدور الرجال، والمخطوطات القديمة). تبدّلت الأداة فيما توطّدت الرؤية العقدية، فكانت العولمة الاتصالية ثرية بما يكفي لأن ترتطم بالمخابئ تلك فتخرج ما فيها من تصوّرات مكتومة أو محدودة التداول.

منذ أكثر من عام، على أقل تقدير، والساحة الثقافية السعودية مشغولة بصورة دائبة في معارك متعاقبة على خلفية رؤى دينية وثقافية، ولعب، دون شك، الجو السياسي المشحون، الذي تصارعت فيه الأفكار في بعض المراحل بعنف، دوراً محورياً ما قد يفتح أفق المناجزات الثقافية على صراع أجنحة داخل مؤسسة الحكم.

وفيما يزداد التيار الليبرالي وعياً بدوره الآن، خصوصاً بعد كسره قيد التهويل الذي أفضى في ما مضى إلى إحجامه عن الثبات في المواجهة دفاعاً عن قناعاته، يشعر التيار السلفي في المقابل بأن الأخطار المحدقة بهويته ووجوده قد بلغت أبعاداً مفزعة. الفارق بين ليبراليي التسعينيات وليبراليي الألفية الجديدة يتمثّل في إعطاب مفعول الخوف من الأثر الآتي، فالحدود المدمّرة على نطاق واسع لم تعد قادرة على حجب تدفق الأفكار، وليس هناك سلطة تحتكر فريضة التعبير عن الأفكار بصورة منفردة، بل حان وقت إخضاع الملفوظ للنقد الحر...

يمكن للمرء أن يشهد حطام (تابوات) كانت حتى وقت قريب مورد تبجيل عام رسمي وشعبي، وقد عانقت سيوفٌ رقابَ أولئك الذين تجاسروا على نزع كسوة القداسة عنها. تسقط اليوم الوصفات العقدية المفزعة من قبيل (الإفساد في الأرض) و(محاربة الله ورسوله)، التي كانت تسبق النطق بحكم الإعدام بحد السيف بحق أولئك الذين خرقوا المحظور العقدي. يتنامى نزوع التمرد على ضروب التدجين السالفة، فلا يعدو صون اللا مفكر فيه تدبيراً وقائياً، فقد صارت، على سبيل المثال، موضوعات المرأة مادة حوارية مصعّدة حد الابتذال روائياً، في إشارة غير مباشرة الى تمرّد كنسي محتقن. وبدا أن اكتظاظ المكتوم مولّد ناشط لانفجارات متوالية وغير قابلة للسيطرة، فالأفكار المتداولة تطال التخوم القصوى لحقول المعرفة والمجتمع والعقيدة والدولة.. فهي تشير في لحظة ما إلى تحوّلات ليست محكومة بقانون خاص، كونها تصدر عن حركة تفاعلية باطنية ملاحقة ومنبوذة في الظل بفعل قهر القوى التقليدية لها، ولكنّها حين عثرت على فرصة التعبير عن نفسها، جاءت بأقصى سرعة ممكنة، وأحياناً محمّلة بشحنات انتقام من الإقصاء طويل الأمد.

صحيح أن مجال الصراع بين الأفكار أرحب بدرجة ملحوظة من الصراع في حلبة السياسة، ولكن لن نتيه عن الفصل بين ما هو أفكار مجرّدة وما هو أفكار ذات محمول سياسي، خصوصاً في بلد يطرق فيه المرء مليّاً قبل أن ينقّب عن كلمات مناسبة للتعبير عن موقف سياسي برداء ثقافي.

وبقدر ما وهبت العولمة الاتصالية الدولة ملكة فريدة لجهة بناء إمبراطورية إعلامية لصنع قبّة واقية، فإنها رهنت رأسمالها الثقافي والاجتماعي كله لانتشار غير منضبط، بما يجعله مكشوفاً أمام الآخر.. وتلك الضريبة الأولى للعولمة الاتصالية المتجاوزة للجماعات والدول. فالأفكار الأشد تطرّفاً وتخلّفاً تقدّم الآن في أحدث ما أنتجته تكنولوجيا الاتصالات، وهذا ما يجعل للمناجزة الليبرالية السلفية نهكة خاصة. هي المفارقة التي دفعت وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل لإعادة تفسير تصريحه لصحيفة «نيويورك تايمز» عن ليبرالية متقدّمة في السعودية، عقب عاصفة ردود فعل متضاربة في الساحة المحلية.

حركة مضادة للسلفية هي ما يمكن رؤيته في كل وسائل الإعلام الليبرالي، ويقوم المشايعون للحريات بكل ضروبها بالانقضاض على التحصينات السلفية المقدّسة، أو باستعارة تعبير نيتشه الشرط الأساسي للتعليم السلفي، حيث تغدو الأفكار بلا طهارة سابقة وثابتة. مكرٌ ما يوحي بأن أخطاء التيار السلفي تمثّل الأسلحة النموذجية التي يحارب بها خصومهم الليبراليون، الذين أثروا من انزلاقات رموز سلفيين ناهضوا أموراً ووقعوا ضحية التلبّس بها، كالذي عارض الاختلاط بين الجنسين، وعُثِر عليه مختلطاً حد التبجّح، أو الذي دعا إلى هدم المسجد الحرام منعاً للاختلاط بين الجنسين فتراجع عن موقفه بعد عاصفة إعلامية ليبرالية، وأخيراً وليس آخراً الشيخ الذي بشّر جمهوره بزيارة الى القدس لبثّ برنامج تلفزيوني لحساب قناة فضائية سعودية من المسجد الأقصى، فاضطر إلى أن يحفر الصخر للهرب من بشارته، التي وضعت في سياق تطبيعي مع الكيان العبري.

في الأفق الأرحب للتجاذب الليبرالي السلفي، كفّت (فتاوى التكفير) ضد الكتّاب والصحافيين، الليبراليين غالباً، عن أن تكون أداة ترويع، فثمة ردع متبادل يسود اللعبة الثقافية، فقد اضطر عدد من المشايخ الكبار إلى (تنظيف) بيوتهم العنكبوتية من فتاوى التكفير خشية الملاحقة القضائية في الخارج، والعاصفة الإعلامية في الداخل. مصيدة العقاب والثواب تحقق اليوم نتائج متقابلة، فهي تحد من غلواء التيار السلفي المتشدّد، وفي الوقت نفسه تمنح التيار الليبرالي فرصة الإفصاح عن أفكاره الجديدة بنكهة سياسية نافذة.

فيض متصاعد من المشاكسات بين أشباح الشبكة العنكبوتية، ولعبة الأرواح الشريرة والخيّرة تجري بين منتديات حوارية ليبرالية وسلفية، في معركة النفي والإثبات، فيما تحاول (أصابع خفية) الحد من غلواء المعركة عبر استعمال صارم (الحجب) لموقع ليبرالي هنا وآخر سلفي هناك. ولمناصري التيارين أسلحة مضادة أيضاً، فثمة جهوزية الكترونية لدى الأطراف كافة لكسر الحظر عبر منظومة (بروكسيات) للوصول الى مراكز التجمّع الافتراضي.

الانقسام الاجتماعي على قاعدة فكرية ليس ترميزاً نهائياً ومنضبطاً، فالركون الى المؤثّرات الأولية التي كانت ترسم خطوط الانشقاق الاجتماعي ليست هي ذاتها المؤثرات القديمة، فثمة تحلّل للبنى التقليدية التي تتوارى تدريجاً تحت وطأة الاجتياح الحداثوي المنفلت. تتفيأ نزوعات الإصلاح السياسي ظلال المنازلات الثقافية بين تيارين ليبرالي وسلفي، في محاولة لعبور آمن نحو مرحلة استحقاقات حتمية ولكن دون وقت معلوم.

وهناك، في السعودية، ظاهرة فريدة لا تنتمي الى التاريخ الماضي، فكثافة الحضور الاجتماعي في ميدان التغيير فكراً وسياسة واجتماعاً ينبئ عن واقع سئم من ذاته، وينزع نحو إنجاب الواقع المخفي كما يعكسه، بمستوى ما، الانفجار الروائي بطبيعته الأنثوية المتمرّدة. في كل الهزّات الثقافية ليست السياسة خرساء، فلها تمثّلات نيابية في السجالات المتناوبة، ولكن من الصحيح أيضاً ألا ننسب الإصلاح السياسي الى هوية ثقافية محدّدة، فقد تجد من بين المنافحين عن الليبرالية الاجتماعية من هم أشد الناس عداوة للإصلاح السياسي، والعكس صحيح أيضاً.

نزعة المحافظة في الوسط الاجتماعي قد تكون دالّة على الانقسام الثقافي، ولكنها ليست بالضرورة علامة سياسية فارقة، فثمة أشكال في الليبرالية السعودية غير متصالحة مع بعضها، وقد تجد من بين الليبراليين من يعتريه شيطان الطائفية في ميدان السياسة. أما أنصار الليبرالية السياسية فلديهم، مع هامش خطأ محدود، ترميزية خاصة، تتجاوز المحافظة وإن لم تصطدم بها، ولكنها في الوقت نفسه تخترق خطوط الانقسامات الاجتماعية على أساس المنطقة والمذهب والقبيلة.

إشارات جمّة تحملها المجابهات الثقافية بين التيارين الليبرالي والسلفي ولا سبيل إلى تعطيل مفاعيلها السياسية، فقدر التغيير السياسي يجري التلفّظ به ثقافياً، بما يخفي الوقائع التحتيّة. سباق نحو التغيير يجري التعبير عنه بكلام في الفن والرواية والثقافة والدين، ويُخضِع كل مخزون الماضي الثقافي والاجتماعي والسياسي للفحص، ويزاح الواقع الراهن عن جوهره لصالح الواقع الخفي الذي يتظهّر تدريجاً ليكسو هوية القادم، وصولاً دون ريب إلى قلب المعادلة السياسية.

 

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
» التعليقات «2»
ولاية
[1]
[ السعودية - سيهات ]: 21 / 4 / 2010م - 9:40 ص
ان شاء اللة تنعكس المعادلة الى الاحسن وخاصة ان السلفية هم وجدوا ابائهم على هدا ومن الصعب يتغيرون بين ليلة وضحاهاقال تعالي لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. صدق الله العظيم
أبو محمد الحجازي
[2]
[ الحجاز - القطيف ]: 27 / 4 / 2010م - 11:26 م
(ولكن من الصحيح أيضاً ألا ننسب الإصلاح السياسي الى هوية ثقافية محدّدة، فقد تجد من بين المنافحين عن الليبرالية الاجتماعية من هم أشد الناس عداوة للإصلاح السياسي، والعكس صحيح أيضاً. )
بيض الله وجهك يادكتور فؤاد ابراهيم