![]() |
من مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام، وبجهد مشمول بعناية فائقة من معالي مدير الجامعة الإسلامية الدكتور محمد بن علي العقلا يشكر عليها، انطلق مؤتمر الإرهاب بين تطرف الفكر وفكر التطرف، وباثنتي عشرة جلسة لمناقشة ظاهرة الإرهاب التي أشغلت العالم أجمع وعانى - وما زال- الإنسان في شتى مناحي المعمورة منها، كونها مهددا لأغلى ما يحرص عليه المرء؛ حياته.
ولعل عنوان المؤتمر أول بادرة للفت النظر، كونه اختصر محددات ظاهرة الإرهاب ليحصرها في طائفتين، الأولى ذات تطرف فكري (العلمانيون أو الليبراليون أو سمهم ما شئت، فهم فئة المختلف المباح إيقاع أي تصنيف عليه..)، وفكر التطرف ويعني أصحاب الغلو الديني والمتشددين وأحاديي الرأي، وإيقاع ظاهرة الإرهاب ببينية مناصفة للمسؤولية على الفريقين لها مدلولات خطيرة ومجانبة للواقع والحقيقة، ربما أضرها ضرب محاولة الفهم الصحيح والرؤية الناقدة وإعاقة الوصول للأسباب الجذرية لجريمة الإرهاب التي تهدد أمن الآمنين، وتقض مضاجع المسالمين، الراغبين في حياة كريمة مشمولة بالأمن ومحاطة بالطمأنينة، والتي تقع على عاتق كل دولة مسؤولية تحقيقها، فهل تقسيم مسؤولية الإرهاب بين الطائفتين مناصفة هو لتشتيت الحقيقة، أم لجبر خواطر، أم لمجرد تلاعب لفظي غير متعمد؟ وهل الطائفة ذات التطرف الفكري- وإن وصل صاحبها لأقصى تطرفه- تحمل السلاح وتروع الآمنين وتشعل فتيل الفوضى الأمنية، وتقتل النفوس البريئة؟ إلا إن كان للإرهاب معانٍ غامضة مخبوءة عن أفهام البعض، وخص بإدراكها أفهاما أخرى؟
أما الطروحات والبحوث التي جاوزت الثمانين بحثا، فانثالت غالبيتها بـ"الينبغيات" و"اليجبيات" المحتفية بلغة الوعظ ومنهج الوصاية، مغيبة أثر فتاوى التكفير عن المسؤولية، رغم أنها النبتة المغروسة في فكر الإرهابيين والمؤججة للتطرف وإشعال الفتن، وبدلا من نسبة التطرف لتلك الفتاوى، حملت المسؤولية للإعلام، مطالبة إياه بـ"ميثاق شرف يحظر استضافة أدعياء العلم الشرعي"، وأدعياء العلم الشرعي الذين ملأوا الدنيا تكفيراً فروا من المطالبة حيالهم بأي إجراء يكفي العالم شرورهم! وفي ضوء ازدواجية المعايير لاغرابة باستخدام البحوث المختبئة خلف ستار التاريخ، كفكر الخوارج لا كمدخل بل كتناول يخرج بالآن المعاش، إلى شرح تاريخي لا يلامس تذكره أية فائدة ترتجى، وكأن الخوارج بيننا ينظّرون ويرهبون، وكما تجاهل الباحثون فتاوى التكفير المسببة للعنف والإرهاب، كان كذلك حال التوصيات.
وكمثال: ورقة الدكتور محمد النجيمي (دور العلماء في تصحيح التفسيرات والمفاهيم الخاطئة لقضايا التكفير والولاء والبراء وبيان حقوق الولاة) بين أن التكفير حكم شرعي مرده إلى الله ورسوله، محللا ضوابط التكفير المسهبة بدقائق الفقهاء، ذاكراً نوعاً من المولاة الجائزة للضرورة المسماة (تقية)! ومطالباً بنبذ التفسيرات الخاطئة لقضايا التكفير والجهاد والولاء والبراء، وهنا أتساءل لماذا لا يترك التكفير برمته؟ وما الداعي لمعرفة ضوابطه مادام حقا لله؟ وهل التكفير واجبٌ، تاركه يصلى ناراً حامية؟!
وهل واقعنا المعاش يلزمنا بأفكار فقهاء تفصلنا عنهم آلاف السنين؟ وهل يخدمنا في آننا مناقشة محبة أو كره الكافر؟! ولماذا يغيب الإلزام بنشر المحبة والتسامح اللذين تشي بهما سيرة خير البشر، ونلزم بعقيدة فقهاء كراهية المختلف؟!
أما الغريب حقيقة فتفسيره لأولي الأمر الواجب طاعتهم في سورة النساء بالأمراء والعلماء جميعا! والسؤال كم هم من تجب طاعته إذا دخل العلماء مشاركة لولي الأمر؟
أرجو أن ترحم عقولنا يا دكتور فطرح حق طاعة العلماء توهم فقهاء قرون خلت، في غير أوانه، ويغيب مسؤولية الفردانية الإيمانية، بتوهم شراكة إسقاطية لبلوغ منزلة ما أنزل الله بها من سلطان! ولعل أبرز البحوث القيمة (الافتراق بين وسطية الإسلام وظاهرة الغلو الديني) للدكتور فؤاد الحاج البعداني، عضو هيئة التدريس بجامعة إب باليمن ناقش فيه الوسطية بين الشعار والممارسة، والتناقض بين ادعائها والآراء والمواقف المعلن عنها، كما رد ظاهرة الغلو والتعصب للجهل بفقه المقاصد والسياسة الشرعية، معتبرا العنف الإرهابي نبتة الغلو وثمرته، مطالباً بإعادة النظر في مناهج البناء التربوي والتكوين الثقافي في إعداد الشخصية المتوازنة والمنشودة.
وبدلا من مطالبة الدول بوضع استراتيجيات وأفكار وطنية شاملة، ذات معالجة فكرية ومكافحة أمنية تحفظ حقوق الأفراد وحياتهم توجه أحد التوصيات الدعوة للجماعات المتطرفة بأن تتقي الله، وتتوقف عن الأعمال الإجرامية وتعود إلى رشدها، بلغة وعظية إنشائية طالما غيبت المسؤولية الذاتية والمحاسبة القانونية، وأرهقتنا بالنفاق شكلاً ومضموناً.
إلا أنه يحسب للمؤتمرين إدراج توصيات هامة، كحث الحكومات على دعم حقوق الإنسان، والحد من البطالة، والقضاء على تهميش الشباب اجتماعياً، والحفاظ على الطبقة الوسطى من التآكل والتهميش، وأيضاً ضرورة تقديم خطبة الجمعة بأسلوب يواكب متطلبات العصر، وتجنب الإثارة المحفزة على الغلو والتطرف، وإن لم يطالب بمنع التكفير الذي خرج من ردهاتها في الأيام القليلة الماضية.
ومما يؤسف له ظهور التحجر الفكري في تسفيه بعض مداخلات القسم النسائي بردود ساخرة، محتجاً بأن السؤال خارج السياق، والآخر لم يكلف نفسه عناء الاعتذار ، فاكتفى بجملة (لاتعليق) ولا تعليق على سلوك من سموا علماء، ناهيك عن طاعتهم التي أوجبها النجيمي!
إن ما دعت له الدكتورة النبيلة نبيلة محجوب في مداخلتها القيمة لملء فراغ الشباب بأنشطة منها الفنية، ووجهت من أصحاب الرأي الأحادي بهجوم على حق حريتها في إبداء رأيها، هذا ونحن في مؤتمر يفترض سعيه لتعميق حق الاختلاف، وفرض واقع التعددية، فكيف سيكون مصيرنا مع الآخر ثقافة ودينا ومجتمعا؟
إنه ما لم يحجر على أهل العقول المتحجرة - التي مازالت آراؤها نافذة - وتنضب صلاحياتها، وما لم يتخذ قرار حاسم ضد منابع الفكر المتشدد المتطرف، فإن قضية الإرهاب ستعلق حتى إشعار آخر، وما زالت الأسباب الحقيقية مغيبة أو منكرة، وفي الواجهة تلامس أسبابا موهومة فسنستمر في جهود لا طائلة، ونتائج لامجدية، فها هو أحد الباحثين يعد البعد عن الدين مسببا للإرهاب؟ وتوصية ترى البرامج المثيرة للغرائز سببا آخر؟ إلا إن كانوا يعنون إرهابا آخر؟!.. ربما.
