كاراكاتير

المزيني
لأجل المسلمات الغيبية..هذه عقوبتكم يا أهل جدة

لا تقف ركائز نهوض الأمم بعد الكوارث والأزمات عند الاعتراف بالخطأ والتقصير، بل تتعداه إلى بذل المحاولات الجادة المخلصة للتصحيح والإصلاح، وإعادة ترتيب أوراق المسؤولية وتبني مؤشرات صادقة لقياس الأداء الإصلاحي بحيث لا يبقى كائنا من كان خارج حدوده تحت أي ذريعة، وهو ما تجلى في توجه خادم الحرمين الشريفين بعد كارثة جدة الإنسانية والتنموية والاقتصادية والإدارية.. وإن شئت فأضف كل أنواع الفساد لها، فهي قابلة لتولد معانيه بشكل يوازي عارها الإنساني فضلا عن كارثيتها المجافية للأمانة وعظم المسؤولية.

ورغم مأساوية الحدث وإرهابه ودرجة إجرامه المقززة، يأتي خطاب الوعظ الديني كعادته، لا لشحذ الهمم للإحساس الإنساني والعمل التطوعي للتعاون مع الأسر المفجوعة، ولا لتحريك إحساس الفرد لتلاحم إيثار ورحمة يخرجه من الأثرة ليدمجه بالجماعة، ولا للمطالبة بتعزيز دور الأجهزة الرقابية لإحكام الرقابة على المال العام وتشديد العقوبة على منتهك حقوق العباد والبلاد، بل يريح نفسه بتفسيره الجاهز والوحيد للكارثة بأنه «عقوبة»، والصدمة عندما تدرك أنها خاصة بالبسطاء والمسالمين ومن لا ذنب لهم يتعداهم لسواهم!

إن تغييب الحقائق وتجييرها لصالح الوعظ بدعوى لا يمتلك حق تقريرها (العقوبة) سوى الله، لهو أكبر الجرائم التي تمارس ضد العقل وانتباهاته، إذ الانقطاع المتعمد بين الأسباب والمسببات، وتغييب العلل الواقعة خلف المعلولات وسوء قراءة النتائج وفصلها عن المقدمات، وتضييع دور المحاسبة والمساءلة، هي مفرزات تلك الثقافة الرازئة خلف التوهمات.

فالعقل يرفض تماما ممارسات انعدام المنطق، خاصة والتخرصات تلزمه حالة واحدة فقط «التشاؤم»، فانقطاع المطر وحبسه «عقوبة»، ونزوله أيضا عقوبة، ولأجل تكريس الوهم يتم استحضار الكآبة ومتلازماتها (تحريم التعبير عن الفرح، وتقييد انطلاق الحريات الفردية المغيب للذاتية الاختيارية) حتى بات استصحاب عبارة «يا الله عسى خير» خلف كل ضحكة وإن كانت باهتة وفرح وإن عُدَّ نادرا.

قد يظل حسن الظن بالواعظين - إن اعتقادا جازماً أو ظناً غير مستيقن- يلغي تقصدهم تجهيل عقول العامة! وقد كانت أهدافهم ترتكز على زيادة تمكن وتمكين لهم، جعلهم يطلقون ألقابا تقديسية خاصة، أما أن يتجه التغرير بالعقول لتبرير قتل الأنفس، وتهوين الفساد المالي والسرقات المليارية لمشاريع كُلفتها بضعة ملايين، فهذا لعمري تغرير عقيم وهوس توهم يكشف سر مأساتهم مع إيمان الحناجر مقابل إيمان الضمائر.

وتتجلى جاهلية القرون الوسطى عند تسليم خيط عقلنا ومخيطه لمن استهوتهم اللعبة فوصفوا أنفسهم بـ»الموقعين عن الرب» وصدقوها، لكأن المراسلات تجري على قدم وساق بينهم وبين الله - تعالى شأنه علواً عظيما- فما يوقعونه يجيزه وما يرفضونه يمنعه، ومن مقاعدهم الوثيرة بحماقتها ينكرون على جيولوجيا الأرض وتغييرات المناخ العالمية علميتها، يحيط بهم جهل الجاهلين وتباركهم معرفة السذاجة التسليمية، المهيئة لاستمرار الفساد واستمرائه، والمربكة لمفهوم العدالة الإلهية. لتبرئ ساحة المجرم وتعتم على إجرامه، وتلبسه من لا تتعدى تبعات ذنوبهم مجال أنفسهم إن أذنبوا.

وباتجاهٍ نقيض تماماً، يكشف التقرير الدولي للفساد 2009، الذي أعدته منظمة الشفافية الدولية أن العالم ينفق ما بين 20 و40 مليار دولار على الرشاوي سنويا، تعادل قيمتها حوالي 20% إلى 40% من المساعدات التنموية الرسمية، مما يجعلنا نتساءل ونحن نحتل رقما متدنيا في الشفافية، ومرتفعا في مستوى الفساد: ترى كم نسبتنا من الرشاوي إذا ما نما لعلمنا أن أحد المختلسين فقط كان نصيبه ثلاثة مليارات ريال؟ رغم البذرة الصالحة التي بذرها خادم الحرمين للحد من تفشي الفساد عندما فتح حساباً لإرجاع الأموال التي أخذت بدون وجه حق وهو ما يعرف بحساب «إبراء الذمة»، إلا أن مجرمي الفساد تجاوزوا مستوى التفكير في جرائمهم ومراجعة ضمائرهم، وباتت محاكمتهم ومعاقبتهم والتشهير بهم هو الظاهرة الصحية والعبرة لكل من تسول له نفسه النيل من خيرات الوطن.

ختاماً: لا يفوتني التنويه بمقال متميز للزميل الدكتور عبدالسلام الوايلي بجريدة اليوم بعنوان «برنارد كريك وسيول جدة» تناول قصة «كريك» رئيس شرطة نيويورك الذي لم يشفع له دوره العظيم في أحداث سبتمبر وإنقاذه لـ20 ألف شخص, وقيادته لعملية «كارتل كالي» للقضاء على المخدرات ومصادرة 60 مليون دولار لصالح الحكومة، وخططه الناجحة لرئاسة الشرطة الجنائية، ومسؤوليته عن قيادة 41 ألف شرطي، ومنصبه وزيرا للأمن الوطني، ومسؤولاً عن 22 وكالة أمنية حكومية وميزانية سنوية قدرها 50 مليار دولار، حيث يقبع الآن في السجن، وفي حال إدانته قد يحكم عليه بـ»142» عاما. أما تهمته فهي تقاضيه مبلغا يقدر بـ»250» ألف دولار من شركة قامت بترميم منزله بعد أن جعلها تفوز بأحد العقود في مدينة نيويورك!

مسكين كريك ربما لم يسمع بالمثل الدارج لدينا «إن سرقت أسرق جمل»! فأضرت قناعته بالقليل!