![]() |
"إن الذي يريد أن يغير طبيعة الإنسان بواسطة الموعظة والكلام المجرد لا يختلف عن هذا الذي علم القطط حمل الشموع، فالناس يستمعون إليه ويتأدبون أمامه ويسيرون بين يديه بوقار كأنهم أنبياء.. ولا تكاد ترمي إليهم بشيء حتى ينطلقوا وراءه متكالبين إذ ينسون ما قال لهم الواعظ وبماذا أجابوه". الوردي -رحمه الله- في كتابه "مهزلة العقل البشري".
ولا شك أن الحرية والمناقشة العقلانية فضلا عن متطلبات المصلحة الذاتية من أبرز خصائص الإنسان السوي بل قمة القمم الطبيعية، فالمنغمس في العطالة الذاتية والتكرار الاجتراري لمقولات التراث والآباء والأجداد يصبح كالدودة في الشرنقة ساجناً نفسه بنفسه وعاجزا عن تذوق طعم الحرية، يسير خارج التاريخ لا داخله. ولعلنا لا نكون شديدي التطلب إذا ما طالبنا بحرية الرأي في الأمور المختلف عليها تفسيرا من قبيل الآيات ظنية الدلالة، فالإسلام أكد على التعلم من خلال الاختلاف والرأي المتعدد والتعارض؛ لكن واقع الوعاظ اليوم- فوق أن منهجهم غير مجدٍ- يهمل ويقصي رأي الإنسان/ المرأة خاصة، ويقف بوجه اختياراتها فيما اختلف فيه من التنوعات الفقهية المتناسبة وقناعاتها، خاصة أن انعدام فقه الواقع يسبب أزمة بين أحداث الواقع وإحداثاته، وبين التمسك بالمقولات وتقديسها لدرجة تحولها إلى قطعية/ ثبوتاً ودلالةً.
فالآية الوحيدة المختلف حول مفهوم الحجاب فيها نصت على الجيب والجيب ليس الوجه، فلماذا تفرض القناعات المذهبية على الكل وتضييق ما اتسع؟!
والظني الدلالة يخضع بطبعه لتنوع التفسير واستخراج المعاني المتعددة، ولعلها قوة داعمة لأسباب التعددية والاختلاف الذي يعدّ رحمة، فلماذا يفرض الاحتمال الواحد من متعدد، بأسلوب الخط المستقيم، وكأن القناعات الشخصية المرتبطة بالتفسير الإنساني للآيات وحياً إلهياً أوحي لأحد أصحاب المذاهب دون الآخر.
وانقيادا لتوجه إن لم تكن معي فأنت ضدي، تستبدل مجادلة الكلمة بالسب والدعاء على المختلف، فأحد مؤيدي مذهب غطاء وجه المرأة رغم اعترافه باختلاف المذاهب، يدعو على من يختار كشف الوجه، داعيا الخالق إلى هدايته أو القضاء عليه، وهذا الدعاء التخييري يؤكد التعصب الكريه، عدا إيهام السامع بأن الله يقع تحت حتمية اختيار بين أمرين والعياذ بالله! والهداية محسوبة لقناعات خصوصية مذهبية للداعي، وفي ذلك تعدٍ صريح على شأن الخالق، وبما هو دعاء للمختلف ودعاء عليه في الوقت ذاته، فالميل- بهذه الطريقة - عادة للاختيار الثاني، إذ إن رفض التعددية ناشئ أصلاً من التعصب المولد للكراهية وبالتالي العداء الذي جعل المختلف مستحقا للدعاء عليه وفق هوس الاتباع المذهبي الإقصائي وتغييب التسامح والانفتاح.
وتأتي الثوابت لتعتبر تغطية وجه المرأة أحدها! فهل مفهوم الثوابت هو تقديس أقوال شخصية تراثية؟ أم الهدف اعتقال عقل الإنسان بحجة الثوابت المفتوحة بلا تحديد؟
وآخر يحرم لبس الحجاب الملون للمرأة في السعودية ويبيحه لها في الغرب، ولا أعلم آية صريحة توجب على المرأة لبس السواد الحزين وفي بلد بعينه، فخنق الألوان وكراهية سطوعها يوجه فقط ضد المرأة، رغم الألوان التي تحفل بها الطبيعة أنساً وجمالاً! فلماذا تبدو النساء - في لبس العباءات - بكآبة مفروضة؟
ويأتي الاستدلال -كحجة عجيبة- هاضماً للحق ومحتضناً لمنهج التشدد العنصري ضد الألوان - في ادعائه أنه سنة، وعلى حد علمي أن مصدر السنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وحده إذ يأمر أو ينهى، لا أن تعبِّر تصرفات زوجاته -رضي الله عنهن- اللحظية المناسبة لوقتها عن السنّة، وإن كانت كذلك فلماذا لا يلزم نفسه بلبس الرسول عليه السلام والصحابة؟ اخترتم لنا اللون فلتختاروا لكم شكل اللباس أم أننا فقط المقصودون بالتطبيق دونا عنكم؟!
ويظهر القلق حيال عرض كتفي المرأة، فهل سيُكتشف عرض كتفيها لولا صاحب العينين اللتين تنقلبان متراً إن أراد لقياس عرض أكتاف النساء، ليتم التكليف المؤدلج على حكاية العورة فيلزمها ما لا يلزم، محرراً ساحة الرجل بإعفائه عن غض البصر، فالمرأة تتخذ كافة الإجراءات الاحترازية لتجنب عقول الرجال أتباع الهوى، بينما هو لا يملك حتى عينيه اللتين في رأسه، وفي النهاية هو الأعقل! حاولت ربط كل الاحترازات "الأسباب" التي تؤمر بها المرأة وقياسها بنقص عقلها "النتيجة"، وقارنتها ببراءة ساحة الذكورة من كل التزام واعتباره الأعقل، أقول حاولت، فلم أجدها كما تزعمون، فالأمور معكوسة. يستغرب الوردي الانقلاب بين السبب والنتيجة فما باله بنا ونحن لم نعد حتى نميز أحدهما من الآخر!
"من العيوب المنطقية التي تعتور تفكير إخواننا أنهم كثيراً ما يجعلون العربة أمام الحصان كما يقول المثل الإنجليزي أي إنهم يعدون السبب نتيجة والنتيجة سبباً".
أتمنى ألا يأتي يومٌ ونسمع بأن وضع العباءة على الرأس من الثوابت!
